هلا نيوز
شارك
مقال رأيعميد متقاعد عارف الزبن · قراءة ٩ دقائق

من الفكر الإجرامي إلى الفكر التكفيري .. حوار مع مُجرم كشف لي ما هو أخطر من الجريمة"

الكاتب : عميد متقاعد عارف الزبن

منذ ساعة واحدة9 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
الكاتب : عميد متقاعد عارف الزبن

قبل أكثر من عشرة أعوام، حين كنت قائدًا للقوات الخاصة الملكية، شهدت واقعة أمنية لا تزال حاضرة في ذاكرتي، ليس لخطورة العملية العسكرية، بل لما كشفته لاحقًا من أبعاد فكرية واجتماعية وأمنية تتجاوز طبيعة المهمة، وتثير تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الفكر الإجرامي والفكر المتطرف.

في فجر ذلك اليوم، كانت إحدى فرق مكافحة الإرهاب التابعة للكتيبة الخاصة /71 تستعد لتنفيذ مداهمة أمنية للقبض على أحد المطلوبين الخطرين. أبلغني قائد الكتيبة بطبيعة المهمة وخطورتها، ثم سألني: " سيدي، سندخل بالخرطوش؟" ولمن لا يعرف هذا المصطلح العسكري، فإن "الخرطوش" يُستخدم في مثل هذه العمليات لفتح الأبواب المغلقة، من خلال إطلاق طلقة مخصصة باتجاه القفل، بما يسمح لفريق الاقتحام بالدخول السريع إلى الموقع.

بدأت العملية، وكنت أتابع مجرياتها لحظة بلحظة عبر تقنية الاتصال المرئي، في مديرية شرطة الرصيفة. انا ومدير الشرطة العميد محمد المرازيق والعقيد موفق البدارين (رحمه الله)، وما هي إلا لحظات حتى تلقّى مدير الشرطة اتصالًا من وزير الداخلية آنذاك، معالي سعد السرور، يستفسر فيه: "من أعطى أمر إطلاق النار؟" فقلت لمدير الشرطة " قل له قائد القوات الخاصة هو اللي اعطى الأمر "

ولم تمضِ لحظات أخرى حتى تلقيت اتصالًا من رئيس هيئة الأركان المشتركة، وطرح عليّ السؤال نفسه غاضبا " فهمني من أعطاك أمر إطلاق النيران؟" فأجبته بما كنت أؤمن به من واقع عقيدتنا القتالية وطبيعة مهام مكافحة الإرهاب" باشا، إحنا لما ندخل ما بندقّ الباب وبنطلع مذكرة تفتيش، وهذا جزء من عقيدتنا القتالية" ولعل من المهم ان أوضح التمييز بين طبيعة عمليات مكافحة الإرهاب عالية الخطورة، تفرض احياناً السرعة والمباغتة لحماية الأرواح، وبين الضوابط القانونية وقواعد استخدام القوة التي تحكم تنفيذ مثل هذه العمليات.

لكن القصة الحقيقية، بالنسبة إليّ، لم تبدأ أثناء المداهمة، بل بعد إتمام العملية والقاء القبض على المطلوب، حين جرى احضاره الى مكتب مدير الشرطة، عندها دخل علينا رجل منتصف الأربعينات من عمره، طويل القامة، حتي ليكأد طوله يبلغ ارتفاع الباب، وكان يرتدي ثوبًا قصيرا من الأسفل، وفي تلك اللحظة استذكرت الآية القرآنية قوله تعالى في سورة الأحقاف الآية 15 "حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ".

لكن ما استوقفني لم يكن مظهره أو لباسه، وإنما آثار الوشم (الدقّ) على كلتا يديه وكأن ماضيه محفور على يديه، والتي بدت عليها علامات حروق وكأنه حاول إخفاءها. نظرت إليه وقلت باللهجة التي أتذكرها جيدًا: " إيش يا شيخ، هذا ماضيك أزعر" فأجابني بجرأة مقرونه بوقاحه " الله يهديك " فقلت له " الله مهديني قبل ما أشوف شكلك". وهنا تدخل أحد ضباط البحث الجنائي قائلًا له "لما تحكي مع الباشا، احكي بأدب".

بعد ذلك، قدّم لي ضابط البحث الجنائي، ملفًا يتضمن السجل الأمني للرجل الذي كان يقف أمامي، بدأت أتصفح الأوراق، لأجد سجلًا حافلًا بالقضايا الجنائية، من بينها الاشتباه بمشاركته في قضية قتل وقعت في الرصيفة، دون أن تثبت إدانته في تلك القضية. أغلقت الملف، ونظرت إليه، ثم قلت:"اقعد يا شيخ، واحكِ لي شو قصتك؟"

وهنا بدأت أسمع قصة مختلفة تمامًا. قال لي إنه عندما دخل السجن، نصحه احد المحكومين من أصحاب الخبرة القديمة، بأن يبدأ بحفظ القرآن الكريم، لكنه بحسب روايته، وجد صعوبة في ذلك بسبب تقدمه في السن. وأضاف أن أحد الأشخاص الذين تعرّف إليهم داخل السجن تواصل معه، ودعاه إلى الانضمام إلى مجموعة من رفاقه مجاهداً. وبدأ يجلس معهم ويستمع إلى أحاديثهم وأفكارهم، حتى أصبح، مع مرور الوقت واحدًا منهم. كان الحديث طويلًا ومثيرًا للتأمل. وانتهى اللقاء باستكمال الإجراءات القانونية وتوقيف المطلوب.

لكن بالنسبة إليّ، كانت القضية قد بدأت للتو. عندما يلتقي الفكر الإجرامي بالفكر التكفيري، وخرجت من ذلك اللقاء وأنا أفكر في سؤال لم يفارقني منذ ذلك اليوم: ماذا يحدث عندما يلتقي الفكر الإجرامي (Criminal Ideology) بالفكر المتطرف (Extremist Ideology) داخل عقل شخص واحد؟

نحن هنا لا نتحدث عن مجرم عادي، ولا عن شخص تبنّى أفكارًا متشددة فحسب، بل عن احتمال تشكّل حالة أكثر تعقيدًا وخطورة. فالشخص الذي اعتاد العنف، أو نشأ في بيئة إجرامية، قد يكون قد اكتسب أنماطاً سلوكيًا تجعله أكثر استعداد لاستخدام القوة لتحقيق أهدافه. وإذا وجد من يمنحه تفسيرًا شرعيا وأيديولوجيًا يبرر له العنف، ويُلبسه ثوب الواجب الديني أو البطولة، فإننا قد نكون أمام تحول بالغ الخطورة.

فالسلوك الإجرامي قد يوفّر الخبرة في ممارسة العنف، بينما يمنح الفكر التكفيري هذا العنف غطاءً عقائديًا يبرره في نظر صاحبه. وهنا قد يتحول العنف من سلوك إجرامي لتحقيق منفعة شخصية، إلى ممارسة يعتقد صاحبها أنها عبادة أو واجب مقدس. وهذا، في تقديري، من أخطر التحولات التي ينبغي أن تدرسها المؤسسات الأمنية والإصلاحية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإنني اقف عند إن وجود سجل جنائي لا يعني بالضرورة أن صاحبه سيتحول إلى متطرف، كما أن التدين أو الالتزام بالمظاهر الدينية لا يشكلان دليلًا على التطرف. فالخطورة ليست في المظهر، ولا في ممارسة الشعائر الدينية، وإنما في تبني أفكار تبيح العنف وتكفير الآخرين، وتقترن باستعداد فعلي لممارسته. وهنا تكمن أهمية التمييز بين التدين بوصفه قيمة روحية وأخلاقية، وبين استغلال الدين لتبرير العنف وإضفاء المشروعية على الجريمة.

هل مراكز الإصلاح مراكز إصلاح فعلًا؟ من تلك الواقعة، ومن واقعة الكرك ومن واقعة اليوم في الاعتداء على رجل امن يمثل هيبة الدولة ، هنا أطرح السؤال الذي أراه جوهريًا: هل تؤدي مراكز الإصلاح والتأهيل لدينا دورها الحقيق في إصلاح الإنسان وإعادة دمجه في المجتمع، أم أن بعض بيئاتها قد تتحول، في غياب الرقابة والبرامج الفكرية المناسبة، إلى حاضنات لنشر الغلو والتكفير؟

فالسجن قد يكون فرصة حقيقية للمراجعة والتوبة وإعادة بناء حياة الإنسان، لكنه قد يتحول أيضًا إلى بيئة خصبة لاستقطاب الأفراد الأكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا، إذا تُركوا فريسة لمن يمتلكون القدرة على التأثير الفكري والتنظيمي.

والسؤال هنا لا يستهدف التشكيك او الانتقاص من جهود العاملين في مراكز الإصلاح والتأهيل، وإنما يدعو إلى تقييم فعالية البرامج الإصلاحية، ومدى قدرتها على معالجة الأسباب الفكرية والنفسية والاجتماعية التي قد تدفع بعض النزلاء إلى العنف والتطرف.

لقد رأيت خلال سنوات خدمتي كيف يمكن للفكر المتطرف أن يعيد تشكيل وعي الإنسان، حتى يصل إلى مرحلة يرى فيها المجتمع من حوله مجتمعًا كافرًا، ويرى في قتل الآخرين عملًا مشروعًا. ولا تزال عالقة في ذاكرتي عبارة قالها لي أحد المتطرفين خلال إحدى المهام " شهداؤنا في الجنة، وقتلاكم في النار يا كفار".

تأملت هذه العبارة طويلًا. فنحن أمام إنسان لم يعد يرى في رجل الأمن ابن وطنه، ولا في الجندي أخاه، ولا في المختلف معه شريكًا في الدين أو الإنسانية، بل أصبح يقسم المجتمع إلى فسطاطين: مؤمنين وكفار، ويمنح نفسه حق الحكم على حياة الآخرين ومصيرهم. وهنا لا يعود التحدي أمنيًا فقط، بل يصبح تحديًا فكريًا وتربويًا واجتماعيًا.

من حادثة الرصيفة إلي أحداث الكرك ...الى حادث اليوم بالاعتداء على رجل الأمن. أين يبدأ الخلل؟ عندما أستعيد تلك الواقعة اليوم واقراء في حادثة اليوم، وأربطها بما شهدته محافظة الكرك من اعتداءات إرهابية، أجد نفسي أمام أسئلة تستحق أن نطرحها على أنفسنا جميعًا، لا على الأجهزة الأمنية وحدها. فرجل الأمن الذي يؤدي واجبه في حماية المواطنين وتطبيق القانون لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل مؤسسة وطنية وهيبة الدولة وسيادة القانون. والاعتداء عليه ليس مجرد اعتداء على شخص يرتدي الزي العسكري، بل اعتداء على الواجب الذي يؤديه وعلى منظومة الأمن التي تحمي المجتمع.

لكن السؤال الأعمق الذي ينبغي ألا نغفله هو: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها قتل أبناء وطنه أمرًا مباحًا؟ وكيف ينمو هذا الفكر داخل المجتمع دون أن نكتشفه مبكرًا؟ وأين الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والجامعة، ومؤسسات المجتمع المدني من التحولات الفكرية والسلوكية التي قد تسبق انتقال الإنسان إلى العنف؟ هل كان هؤلاء يعيشون بيننا، ويتحركون في شوارعنا، ويخالطون أبناء مجتمعنا، بينما كانوا يسيرون فكريًا في الاتجاه المعاكس لقيم المجتمع وثوابته؟ وهل لاحظ أحد من المحيطين بهم مؤشرات العزلة، أو التحريض، أو تبرير العنف، أو تكفير الآخرين؟

هذه الأسئلة لا تعني تحميل الأسرة أو المجتمع مسؤولية أفعال الجناة، ولا افتراض أن التطرف يمكن اكتشافه دائمًا من المظهر أو السلوك الخارجي، لكنها تعني أن الوقاية من التطرف مسؤولية وطنية مشتركة. ومن المهم أيضًا ألا نخلط بين الجرائم المختلفة أو نفترض وجود دافع تكفيري وراء كل اعتداء على رجل أمن قبل أن تكشف التحقيقات عن دوافعه الحقيقية. لكن كل حادثة عنف تستدعي أن نسأل أنفسنا عن دور الوقاية والتربية والتأهيل، إلى جانب دور القانون والأجهزة الأمنية.

لقد أثبتت تجربتي العسكرية في مكافحة الإرهاب أن نجاح العملية الأمنية في القبض على المطلوب أو تحييد الخطر لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة. فقد ننجح في مواجهة الشخص الذي يحمل السلاح، لكن يبقى السؤال الأصعب: من يواجه الفكرة التي دفعته إلى حمله؟ محاربة الفكر بالفكر... قبل أن نضطر إلى مواجهته بالسلاح.

لقد تعلمت من تجربتي أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على القوة العسكرية والأمنية، مهما بلغت كفاءتها واحترافيتها. فالأجهزة الأمنية تتعامل غالبًا مع الخطر عندما يصبح ظاهرًا، بينما قد تبدأ المعركة الفكرية قبل ذلك بسنوات، داخل الأسرة والمدرسة والسجن والبيئة الاجتماعية.

وهنا أعود إلى أهمية المبادرات الفكرية والحضارية الأردنية التي حملت إلى العالم رسالة الوسطية والاعتدال والتسامح، وفي مقدمتها رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، وهما مبادرتان ملكيتان هاشميتان أطلقهما جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وشكّلتا رصيدًا فكريًا ودينيًا وحضاريًا مهمًا للأردن، وجسّدتا الدور الهاشمي في نشر قيم السلام، والتعايش، ومواجهة الغلو، والتطرف.

فقد جاءت رسالة عمّان لتؤكد جوهر الإسلام القائم على الوسطية والاعتدال، وترفض التكفير بغير حق، وتضع ضوابط للفتوى، فيما جاءت مبادرة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان لترسّخ قيم الاحترام المتبادل والتعايش والحوار بين أتباع الأديان، وقد حظيت باعتراف دولي من خلال اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الأول من شهر شباط من كل عام مناسبةً عالميةً للوئام بين الأديان.

وأعتقد أن هذه المبادرات ينبغي ألا تبقى حبيسة المناسبات والخطابات، بل أن تتحول إلى برامج تعليمية وتربوية وإصلاحية، تتبناها المؤسسات المعنية، وتُترجم مضامينها إلى أدوات عملية في مواجهة خطاب الكراهية والغلو والتطرف.

إن مراكز الإصلاح والتأهيل بحاجة إلى برامج لا تكتفي بضبط السلوك داخل الأسوار، بل تعمل على مراجعة الأفكار المتطرفة، وتعزيز التفكير النقدي، وتوفير الإرشاد الديني المؤهل والدعم النفسي والاجتماعي، وصولًا إلى إعادة دمج النزيل في المجتمع بعد انتهاء محكوميته. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد من يدخلون السجون، بل أيضًا بقدرتنا على منع عودتهم إلى الجريمة والعنف والتطرف.

وفي الختام... بعد أكثر من عشرة أعوام على تلك الواقعة، لا يزال ذلك الرجل حاضرًا في ذاكرتي، ليس لطوله أو مظهره أو ماضيه الإجرامي، بل لما كشفته قصته من تحول خطير، انتقل فيه من عالم الجريمة إلى الفكر التكفيري داخل السجن، تاركًا في ذهني سؤالًا لم أجد له حتى اليوم إجابة شافية: هل كانت مراكز الإصلاح والتأهيل سبيلًا لإصلاحه، أم بيئةً أسهمت في انتقاله من الجريمة إلى التطرف؟

إن خطورة ما شهدته لا تكمن في قصة ذلك الرجل وحده، بل في احتمال تكرارها مع آخرين، حين يتحول السجن من مكان لإصلاح السلوك إلى بيئة لإعادة تشكيل العقول بأفكار الغلو والتكفير. وهنا تبرز مسؤولية مؤسسات الدولة والمجتمع في معالجة جذور التطرف، لا الاكتفاء بمواجهة نتائجه، وتحويل مبادراتنا الملكية الهاشمية، وفي مقدمتها رسالة عمّان وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، إلى برامج فكرية وتربوية وإصلاحية تحصّن الإنسان قبل أن يقع فريسة للفكر المتطرف.

لقد علمتني تجربتي العسكرية أن نجاح العملية الأمنية لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر؛ فقد ننجح في إلقاء القبض على من يحمل السلاح، لكن يبقى السؤال الأهم: من يواجه الفكرة التي دفعته إلى حمله؟

فمكافحة الإرهاب لا تبدأ عند سماع صوت الرصاص، ولا عند قرع (دق) الأبواب بالخرطوش، ولا تنتهي بإلقاء القبض على الإرهابي. إنها تبدأ بتحصين العقول، وإصلاح الإنسان، ومواجهة الفكر المنحرف قبل أن يتحول إلى عنف. فمكافحة الإرهاب بالسلاح تحمي الوطن من خطره اليوم، أما مواجهته بالفكر والوعي والاعتدال فتحمي الأجيال القادمة من خطره غدًا.


الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على شروط الاستخدام و سياسة الخصوصية.
+962