مقالات و آراء

مرة أخرى، الحرب على الأبواب وطبولها تُقرع بقوة. الشرارة من لبنان، وقد تمتد الحرائق إلى كل مكان….عدنان_الروسان

قلتُ قبل أيام قليلة وكتبتُ أن الحرب على الأبواب، وقد اعتبر بعض الأصدقاء والقراء أن في ذلك مبالغة. لكنني اليوم أؤكد من جديد، ولست وحدي في ذلك، بل كثير من المهتمين بالشأن العام على أن الحرب قد تكون أقرب إلى المنطقة من حبل الوريد. سيكون المشهد الأول في لبنان، والحرب ستبدأ بحادثة بسيطة تشكل شرارة لإطلاق أصوات الرصاص، كحادثة عين الرمانة التي وقعت يوم الأحد 13 نيسان/أبريل 1975 في الضاحية المسيحية لبيروت. السيناريو السياسي والإعلامي والعسكري تم رسمه بدقة وعناية فائقة.

الهدف: نزع سلاح #حزب_الله، وحركة أمل، وسلاح المخيمات الفلسطينية.

الجولات المكوكية للمبعوث الأمريكي إلى لبنان السيد باراك، والمبعوثين الفرنسيين، واللقاءات المتكررة في السفارتين الأمريكية والفرنسية مع مسؤولي الصف الأول من الاستخبارات والدبلوماسيين، بالإضافة إلى اللقاءات في قصر بعبدا مع الرئيس عون، وفي السراي الحكومي مع رئيس الحكومة؛ كلها كانت تتمحور حول نقاشات تتعلق بنزع سلاح حزب الله، ولو بالقوة. هناك نقص كبير في المعلومات لدى الأطراف اللبنانية حول قوة حزب الله الحالية من حيث العدد والعتاد، وهل كانت خسارته أمام إسرائيل في حرب إسناد غزة كبيرة إلى الحد الذي لا تمكنه من مواجهة قوات الدولة اللبنانية؟

التسريبات والمصادر الإعلامية والغربية والتقارير الكثيرة التي تشغل بال المحللين والمراقبين في المنطقة والغرب تدور حول مسألتين مهمتين جدًا:

هل سيتمكن #الجيش_اللبناني من الانتصار على حزب الله ونزع سلاحه بالقوة؟

ما هي الكلف البشرية والمادية والمجتمعية التي سيتكبدها لبنان؟ وهل سيكون هناك خطر على تركيبة الدولة؟

من المؤكد أن حزب الله تعرض لهزيمة كبيرة في الحرب الأخيرة مع إسرائيل التي كانت قد أعدت له مصيدة استخباراتية غاية في الإتقان (البيجرات واللاسلكي وقصف الضاحية واغتيال عشرات من القادة السياسيين والميدانيين وعلى رأسهم الأمين العام السيد حسن نصر الله)، وتمكنت من تحييد الحزب تمامًا وإجباره على التراجع خطوة إلى الخلف. لكن السؤال الكبير هو: هل ما يزال الحزب يملك من السلاح ما يمكنه من خوض حرب ضد المشروع اللبناني الرسمي والغربي وربما ضد إسرائيل مرة أخرى؟

الحزب يجد نفسه وظهره إلى الحائط ومجردًا من أي خيار آخر سوى القتال. الاستسلام وتسليم السلاح يعني التقتيل والإمعان في الإهانة والإذلال لقيادات الحزب، وضياع عشرات آلاف فرص العمل للبنانيين الذين يعملون معه، وتهميش كامل للطائفة الشيعية. وتقدر نسبة المسلمين الشيعة في لبنان بأنها تتراوح بين 27% و 31.5% من السكان حسب معلومات وكالات الاستخبارات الأمريكية، أي ما يقارب ثلث عدد السكان الإجمالي. وإذا تذكرنا أن المسلمين السنة يشكلون النسبة نفسها تقريبًا بحسب إحصاءات من مصادر استخبارية وخارجية، فيبقى المسيحيون بكل طوائفهم والدروز وغيرهم يشكلون الثلث الأخير من الشعب. هذا يثير مشكلة كبيرة، فالانقسام الطائفي كبير وعميق، والحرب ستكون حرب وجود إذا ما وقعت.

حزب الله كان مهادنًا في التصريحات حتى قبل أسبوع تقريبًا، أملًا في أن تتراجع الدولة عن قرارها المعلن بنزع سلاحه. لكن يبدو أن الاجتماعات المكثفة التي أشرنا إليها بين الدولة والأمريكيين والفرنسيين قد دفعت الدولة اللبنانية إلى التأكيد على قرارها، بل والتصعيد إعلاميًا، مما دفع بحزب الله إلى أن ينحي الدبلوماسية والتهدئة جانبًا وأن يطلق تصريحات قوية مليئة بالتحدي وحسم الموقف. إذن، نحن أمام مشهد من الصعب جدًا حله بالدبلوماسية.

القرار اتُخذ..!!

سنسمع خلال أسابيع قليلة، إن لم يكن خلال أيام، عن عملية اغتيال لمسؤول كبير من هذا الطرف أو ذاك، تشعل نار الفتنة التي يريدها الأمريكيون. ستشهد الساحة اللبنانية قتالًا دمويًا لم تشهده منذ أربعين عامًا وأكثر، والسيناريوهات كثيرة ومتشعبة. الجيش اللبناني وحده لن يستطيع حسم الأمر لأسباب كثيرة: تسليحية، وطائفية، واقتصادية، وغيرها. وقد يتعرض الجيش لانشقاقات في الأيام الأولى من القتال. حزب الله لديه خبرة واسعة جدًا في القتال؛ فقد قاتل في لبنان، وقاتل إسرائيل، وقاتل الأمريكيين، وقاتل في سوريا، وبالتالي يتمتع بخبرات قتالية واسعة. وهذا ما سيدفع إسرائيل بكل تأكيد للدخول في الحرب وقصف الضاحية الجنوبية ومحاولة تكرار العمليات التي قامت بها في الأشهر الماضية.

هل لدى ترسانة حزب الله من الصواريخ ما يمكن أن يشكل ضغطًا قويًا على إسرائيل ويتسبب في قتل المئات من الإسرائيليين في المدن الإسرائيلية؟

هل ستدخل اليمن بقوة في المعركة؟

هل سيتدخل الحشد الشعبي في العراق؟

وفي النهاية، هل ستتدخل إيران وبالتالي نصل إلى الجولة الثانية من القتال بين إسرائيل وإيران؟ وهل ستتدخل أمريكا في القتال لإسناد إسرائيل؟

بالطبع علينا أن نكون حذرين في التحليل؛ فقد كنا توقعنا بقوة أن حزب الله سيصمد أمام إسرائيل إلا أنه في سبتمبر من العام الماضي مُني بأكبر هزيمة له طوال حياته. لكن في الوقت نفسه، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الحزب له من القيادات السياسية والاستخبارية، إضافة إلى الدعم المقدم من إيران، ما يمكنه من إعادة النظر في كل ما حدث، وأنه سد الفجوات التي حصلت، وأعاد هيكلة قياداته العسكرية والسياسية الميدانية والإدارية، واستفاد من الدروس التي مر بها. هذا شيء مؤكد، وتصريحات قيادات الحزب الأسبوع الأخير تشير إلى أنه يتمتع بمعنويات عالية جدًا.

الحرب القادمة ستكون “بيضة القبان” في كل ما وقع من أحداث منذ السابع من أكتوبر حتى اليوم، ونتائجها ستكون حاسمة ومؤثرة بقوة على لبنان وسوريا وإسرائيل وغزة أيضًا. وإذا ما توسعت الحرب، وهو ما لا أميل إليه، فإن المنطقة ستدخل في متاهة شديدة التعقيد.

من المؤكد أن أمريكا وفرنسا، إذا وجدتا أن حزب الله حسم الأمر خلال أيام قليلة جدًا، وهذا محتمل، فإنهما سيوقفان الحرب ويسلمان بالواقع الجديد، ويقومان بعملية احتواء للموقف حتى لا تتضرر إسرائيل. الحديث طويل، وهناك تفاصيل وكواليس كثيرة جدًا تحتاج إلى تحليل، وسأكتفي بهذه العجالة على أمل أن نستكمل الحوار، وسيكون من المفيد أن يثري القراء الحوار بصورة موضوعية بعيدًا عن الشتائم والتخوين، فنحن هنا نحاول أن نفهم لا أن نشتم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى